محمد بيومي مهران
70
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
الآلهة القساة ، وفي التوراة يخلص نوح من معه لأنه إنسان بار ، وفي القصة البابلية ينال البطل النجاة لأن له نصيرا من بين الآلهة الكثيرة ، فقصة التوراة تقدم لنا ديانة توحيدية ، ولكن البابليين يقدمون لنا أحط دركات الديانات التي تنادي بتعدد الآلهة ، وهكذا نرى الفارق العظيم بين فكرة الوحي السامية في قصة التوراة ، وبين الفكرة الخرافية المليئة بالخيالات والأوهام والمتناقضات في القصة البابلية ، مع أنها خلاصة أرقى ما وصل إليه الفكر البشري في دولة ساميّة متحضرة « 1 » . والحق أن ما يقوله الدكتور « جون إلدر » ليس هو الحق كل الحق ، ذلك لأن الطوفان كان في القصتين عقابا من الإله لمحو الأشرار ، فكما أخبر نوح بأن الطوفان كان لأن الرب أراد أن يمحو الإنسان الذي خلقه لأن شره كثر في الأرض « 2 » ، فكذلك أخبر « زيوسودرا » أن الآلهة أرادت بالطوفان أن « تقضي على بذرة الشر » ، وكما أن نوحا قد أنجي لأنه إنسان بار ، فالأمر كذلك بالنسبة إلى « زيوسودرا » ، لأنه كان ملكا صالحا تقيا ، يخشى الإله ، كما كان يتلهف شوقا إلى الاتصال بالوحي الإلهي في الأحلام وفي تلاوة التعاويذ والأدعية - وهي صفات لو كان الدكتور إلدر غير متعصب في حكمه ، لعرف أن التوراة لم تسبغها على نوح ، الأمر الذي لم يظهر بما يتفق ومكانة النبي الكريم في غير القرآن الكريم - بخاصة إذا علمنا أن القصة السومرية - وليست قصة التوراة - هي التي تقدم لنا بطل الطوفان ( زيوسودرا ) وهو يجلس إلى جانب حائط ، يستمع إلى صوت وحي إلهه ، وهو يبلغه القرار بإهلاك البشر « 3 » . وأما أن قصة التوراة تقدم لنا ديانة توحيدية ، وأن الأخرى ليست كذلك ، فذلك أمر نتفق فيه معه بحذر ، كما أن أحدا لم يقل - بل حتى لم يفكر - في أن ديانة السومريين - - والبابليين من بعدهم - كانت ديانة توحيدية ، ومع ذلك ألا يرى « الدكتور جون إلدر » أن قصة التوراة لا تقدم لنا ديانة توحيدية - كما نعرف التوحيد الآن - . صحيح أن ديانة السومريين والبابليين ديانة وثنية ، بل ومغرقة في الوثنية كذلك ، ولكن صحيح
--> ( 1 ) جون إلدر : الأحجار تتكلم : ص 34 ، 35 وانظر كذلك . M . F . Unger , op . cit . , P . 372 - 373 . ( 2 ) تكوين 6 : 5 - 12 . ( 3 ) صمويل نوح كريمر : من ألواح سومر - ترجمة طه باقر ص 254 - 256 ، القاهرة 1957 .